عباس حسن
126
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
أو غير مسبوق بها ، أو مجرورا بالحرف : « من » . فلا بد في هذا النوع من ذكر « المحذّر » ضيرا معينا ، ثم « المحذّر منه » . فمثال المسبوق بالواو قول الأعرابية لابنها . ( إياك والجود بدينك ، والبخل بمالك . . . ) ومثال غير المسبوق بها قولهم : ( إياكم تحكيم الأهواء ؛ فإن عاجلها ذميم ، وآجلها وخيم . ومن أمات هواه أحيا كرامته ) . وقول الشاعر : إيّاك إيّاك المراء ، فإنّه * إلى الشرّ دعّاء ، وللشرّ جالب ومثال المجرور بمن : ( إياك من مؤاخاة الأحمق ؛ فإنه يريد أن ينفعك فيضرّك . ) وقولهم : ( إياك من عزّة الغضب الطائش ؛ فإنها تفضى إلى ذلة الاعتذار المهين . ) وحكم هذا النوع وجوب ذكر المحذّر منه بعد الضمير « إياك » وفروعه ، ووجوب نصب هذا الضمير « 1 » ؛ باعتباره مفعولا به لفعل واجب الحذف مع مرفوعه ، تقديره : « أحذّر » ، والأصل : « أحذّرك » . ثم أريد تقديم الكاف لداع بلاغىّ ؛ هو : إفادة الحصر ؛ فمنع من تقديمها أنها ضمير متصل لا يستقل بنفسه ، ولا يوجد إلا في ختام كلمة أخرى . فلم يكن بدّ - عند إرادة تقديمه - من الاستغناء عنه ، والإتيان بضمير آخر منصوب ، له معناه ، ويمتاز بأنه يستقل بنفسه ، وهو الضمير : « إياك » فصار الكلام : « إياك أحذّر » ثم حذف الفعل والفاعل معا ؛ مجاراة للمأثور من الكلام الفصيح الذي يطرد فيه هذا الحذف الواجب . أما الاسم الظاهر المذكور بعد « إياك » وفروعها فإن سبقته واو العطف وجب نصبه بفعل محذوف مع مرفوعه وجوبا . والأحسن الأيسر - اختيار فعل خاص به يناسبه ويساير المقام ، ويكون غير الفعل الناصب للضمير « إياك » فيجتمع في الأسلوب فعلان محذوفان مع مرفوعيهما . ففي المثالين السابقين - ( إياك والنميمة ) - ( إياك والتعرض للعيوب . . . ) يكون التقدير ؛ إيّاك أحذّر ، وأبغّض النميمة - إياك أحذّر ، وأقبّح التّعرض للعيوب . بمعنى : أحذرك وأبغض . . . وأقبّح . . . ويصح أن يكون التقدير : إياك احفظ واحذر النميمة « 2 » - إياك احفظ ،
--> ( 1 ) للحكم إيضاح يجئ في « د وه » من الزيادة والتفصيل ص 130 . ( 2 ) والأصل : احفظ نفسك واحذر النميمة ، أو : باعد نفسك . . . و . . . حذف الفعل وفاعله فصار الكلام : نفسك واحذر النميمية ، ثم حذف المضاف ( نفس ) وأقيم المضاف إليه ( وهو : -